الشيخ محمد رشيد رضا

352

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من عدم التكذيب والايمان قبل الرد إلى الدنيا . فلا يكون التمني متعلقا بهما لذاتهما لأنهما حاصلان والحاصل لا يتمنى ، وانما يكون متعلقا بالرد المصاحب لهما ، الذي تمنى وقوعه بعد وقوعهما ، وذلك وعد غير خبري ولا انشائي بهما ، لان الحاصل لا يوعد به كما أنه لا يتمنى . وقد بينا في تفسير ( 4 : 43 لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) - الآية - الفرق بين الحال المفردة والجملة الحالية ، وأن الأصل في مضمون الجملة الحالية أن يكون سابقا للفعل العامل في الحال . وهؤلاء رجعوا عن التكذيب عند وقفهم على النار وحصل لهم الايمان القاطع بصدق الرسول فتمنوا أن يعودوا إلى الدنيا مصاحبين لذلك ، فيصح أن يقال في الجملة أن عدم التكذيب والايمان داخلان تحت حكم لتمني من حيث اشتراطهما فيه ، لا انهما متمنيان كالرد سواء وأما قراءة حمزة وحفص بنصب الفعلين فقيل إنه على جواب التمني وقيل إن الواو للحال كقولهم : لا تأكل السمك وتشرب اللين . وقيل إنها أجريت مجرى فاء السببية أو أبدلت منها وأيدوه بقراءة ابن مسعود « فلا نكذب » وقيل إن العطف على مصدر متوهم أي يا ليت لنا ردّا وانتفاء تكذيب وكونا من المؤمنين . فعلى التوجيهين الأولين لهذه القراءة يدخل ما ذكر في حكم التمني على الوجه الذي وجهنا به جعل الجملة حالية في قراءة الجمهور وظاهر التوجيه الثالث تعلق التمني بالأمور الثلاثة على سواء ، وقد علم من توجيه هذه القراءة توجيه قراءة ابن عامر أيضا ولعل حكمة اختلاف القراءات بيان اختلاف أحوال أولئك المشركين في تمنيهم : بأن يكون منهم من يتمنى أن يرد إلى الدنيا وأن يكون فيها غير مكذب بآيات اللّه الكونية والمنزلة وأن يكون من المؤمنين ، ومنهم من يتمنى الرد مغاضبا لما حدث له في الآخرة من الندم على التكذيب ومن الايمان بما جاء به الرسول إذ لا تلازم بين الرد وبقاء ذلك الأمر الحادث ، ومنهم من يتمناه ليكون سببا للايمان وعدم التكذيب ، ومنهم من بعد بذلك وعدا ، وهذا الاختلاف في كيفيات ذلك التمني أقرب إلى الحصول من اتفاق أولئك الكفار الكثيرين على كيفية واحدة مما يدل عليه اختلاف القراءات ، لأنه هو المعهود من البشر . ولعلهم يتمنون ذلك جاهلين أنه محال ، على أن الناس يتمنون المحال ولو على سبيل الحسر